ابن عبد البر

270

الدرر في اختصار المغازي والسير

وقال عامر لأربد : ما منعك أن تفعل ما تعاقدنا عليه ، واللّه لا أخافك بعدها ، وما كنت أخاف غيرك . وخرجا جميعا في وفدهم راجعين إلى بلادهم ، فلما كانا ببعض الطريق بعث اللّه على عامر بن الطّفيل الطاعون في عنقه ، فقتله اللّه في بيت امرأة من بنى سلول ، فجعل يقول : أغدّة « 1 » كغدّة البكر « 2 » أو غدّة البعير ، وموتا في بيت سلولية « 3 » . ووصل أربد إلى بلده ، فقال له قومه : ما وراءك ؟ قال : واللّه لقد دعاني إلى عبادة شيء لو أنه عندي اليوم لرميته بالنّبل حتى أقتله فلم يلبث بعد قوله هذا إلا يوما أو يومين ، وأنزل اللّه عليه صاعقة ، وكان على جمل قد ركبه في حاجة ، فأحرقه اللّه - عزّ وجلّ - هو وجمله بالصاعقة . وقدم عليه - صلى اللّه عليه وسلم - وفد بنى حنيفة ، فيهم مسيلمة بن حبيب يكنى أبا هارون ، وقيل بل هو مسيلمة بن ثمامة يكنى أبا ثمامة . واختلف في دخوله على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فروى أنه دخل مع قومه على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وهم يسترونه بالثياب / فكلّمه [ وسأله ] « 4 » فأجابه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إنك لو سألتني هذا العسيب « 5 » - لعسيب كان معه من سعف النخل - ما أعطيتكه . وقد روى أن بنى حنيفة لما نزلوا بالمدينة خلّفوا مسيلمة في رحالهم وأنهم أسلموا وذكروا مكان مسيلمة ، وقالوا إنا قد خلفنا صاحبنا في رحالنا يحفظها لنا . فأمر لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - بما سألوه ، وأمر له بمثل ما أمر لقومه ، وقال : أما إنه ليس بشرّكم مكانا أي لحفظه ضيعة أصحابه . ثم انصرفوا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فلما انتهوا إلى اليمامة ارتدّ عدو اللّه مسيلمة وادّعى النبوة ، وقال : قد أشركنى اللّه في أمره . واتبعه أكثر قومه ، وجعل لهم أسجاعا يضاهى « 6 » بها القرآن ، وأحلّ لهم الخمر ، وأسقط عنهم الصلاة فمن سجعه قوله : « لقد أنعم اللّه على الحبلى أخرج منها نسمة تسعى من بين صفاق « 7 » وحشى »

--> ( 1 ) الغدة : داء يصيب الإبل فتموت منه شبيه بالذبحة . ( 2 ) البكر : الفتى من الإبل ( 3 ) يأسف انه لا يموت مقتولا في ميادين الحروب وأنه يموت غريبا عن دياره . ( 4 ) زيادة من ابن هشام يقتضيها السياق ( 5 ) العسيب : جريدة النخل ( 6 ) يضاهى : يحاكى ( 7 ) الصفاق : مارق من البطن